سماحة الشيخ يدعو لقراءة سيرة الإمام الصادق (ع) في الشأن الاجتماعي      الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين                                   
{right_ad}
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 2
زوار الموقع 711771

كلمات الجمعة
الزهراء أنموذج الاقتداء
الشيخ صادق الرواغة | 2011-07-07| قراءات [4706]

الأهداف التي نطمح للوصول إليها، ونتطلع لتحقيقها تحتاج لعزيمة وإرادة مع وعي وإدراك بما نريد تحقيقه، وبصيرة بغاياتنا وأهدافنا، كما أننا بحاجة ماسة لنضع نصب أعيننا شخصيات عظيمة قد سمت واكتملت فيها جميع صفات الأخلاق والجمال والكمال، مثلتها خير تمثيل، في كمالها وسموها ورفعتها وعظمتها، لتبعث في داخلنا الطموح للسير على نهجها، وخطاها.
ولابد أن نعرف أنه لا يمكن أن نصل لمستوى أي شخصية في جميع جوانبها أو بعضها خصوصا تلك الشخصيات العظيمة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ولكن أن تكون لدينا القدوة التي نطمح للتخلق بأخلاقها وصفاتها وسلوكها، يعطي دافعا ووقودا يزودنا لمواصلة السير في ذات الطريق.
يقول الإمام علي (ع) في نهج البلاغة عندما كان يتحدث عن نفسه وعن طعامه وعن ملبسه، وهو الحاكم الذي حكم أكثر من خمسين دولة بتقسيم اليوم:"ألا وأنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد وعفةٍ وسداد".
في زحام المفاهيم البعيدة عن روح الإسلام، وفي متاهات اختلاط المفاهيم ببعضها وغياب حالة الوعي والإدراك والتخلي عن المسؤولية، وبين الدعاوى التي تطالب بتحرير المرأة وإعطائها حقوقها –كما يروج له الغرب بثقافته- نقف على واقع المرأة في مجتمعاتنا متسائلين عن حراكها ونهوضها وشراكتها ومساهماتها الاجتماعية.
يمتلك الإنسان من الصفات والقدرات والملكات ما يؤهله لتحمل الكثير من المسؤوليات.
وتقسم الصفات والملكات الإنسانية إلى قسمين:
الأول: الصفات الذاتية.
الثاني: الصفات المكتسبة.
أما الصفات الذاتية التكوينية، فهي تلك الصفات التي لا يد للإنسان في وجودها وتوفرها فيه، وإنما هي مرتبطة بمشيئة الله تبارك وتعالى وجودا وعدما، نعم ما ينتقل عبر المورثات الجينية منها، فهو مبني على عملية اختيار كلا الزوجين لشريك حياته، وهي ليست حتمية الوجود، ولكن لانتقالها للجيل القادم نسبة لا بأس بها، فهي محتملة الانتقال، لذلك قد ورد عن النبي (ص) قوله:"اختاروا لنطفكم فإن الخال أحد الضجيعين" [1]. وفي رواية أخرى:" تزوجوا في الحجز الصالح، فإن العرق دسّاس" [2].
فنجد أنّ تحلي الآباء والأجداد بصفات كالشجاعة والفهم والحلم والورع والكرم والعفة والسخاء والذكاء وغيرها، ربما تنتقل للأبناء، -كما أن الصفات الظاهرية والشكل الخارجي-، تنتقل عبر المورثات الجينية من الأجداد والخؤولة والعمومة للأبناء، فتحدد ملامح الشخصية وأبعادها.
ينقل ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة:"دفع أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل رايته إلى محمد ابنه، وقد استوت الصفوف، وقال له: احمل، فتوقف قليلا فقال: يا أمير المؤمنين أما ترى السماء كأنها شآبيب المطر، فدفع في صدره وقال: أدركك عرق من أمك [3]... وقال له والراية في يده: يا بني تزول الجبال ولا تزل، عض على ناجذك، أعر الله جمجمتك تد في الأرض قدميك ارم ببصرك أقصى القوم وغض بصرك واعلم أن النصر من الله. ثم صبر سويعة فصاح الناس من كل جانب من وقع النبال فقال (ع): تقدم يا بني فتقدم وطعن طعنا منكرا" [4].
والموقف لمحمد بن الحنفية وإحجامه لما رأى الصفوف قد استوت وأخذت أهبة الاستعداد لخوض المعركة، أكبر شاهد على انتقال الملكات والصفات للأبناء عن طريق المورثات الجينية، فهو (ع) قد أشار أن هذه الحالة التي مرت على ولده محمد عندما نظر إلى صفوف الأعداء، إنما جاءته عن طريق أمه، وليس عن طريق أبيه الإمام علي (ع)، حيث أن بني هاشم لا توجد فيهم مثل هذه الصفات، إذ أنهم معروفون بالشجاعة والإقدام والكر لا الفر، حين المعارك لا يدخلهم الخوف بالغا ما بلغ الأعداء، ولا ترهبهم السيوف والرماح، ولا شجاعة من يبارزهم، كما هو واضح من مبارزة علي (ع) عمرو بن عبد ود، ومرحبا.
فهذه الصفات لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيها وجودا وعدما، إلا بمقدار عملية الاختيار المرتبطة باختيار الزوج للرجل والمرأة الذي أشارت إليه الرواية عن النبي (ص).
وأما الصفات المكتسبة وهي التي يكتسبها الإنسان من خلال التربية والتعليم والتنشئة والممارسة والمحيط والبيئة، كالعلم والمعرفة، والصدق والأمانة والوفاء والعفة والورع والتدين، العفو والتسامح والحب واللاعنف، فهي خاضعة في بعدها الإنساني لمقدار تفاعل المرء معها وعمق إيمانه بها، وتعوده وتطبيع نفسه عليها، وكذا الصفات السلبية والسيئة.
وهي خاضعة للشدة والضعف، تزيد وتنقص، فنجد أن البعض يتحلى بملكات وصفات أخلاقية تكون واضحة في تصرفاته وسلوكه أكثر من الآخرين، كل ذلك يعتمد على تفعيل تلك الصفات والملكات في واقع حياة الإنسان، ومقدار وعمق إيمانه بها.
فإن الإنسان يمتلك مخزونا هائلاً من الطاقات والقدرات، كما أنه يستطيع أن يسيطر على ردود أفعاله أمام المثيرات، بردود أفعال عكسية للمثير، ولكن يحتاج أن يمارس التمرين وضبط النفس وأن يعود نفسه على ذلك، فعندها يقدر أن يضيف صفة جديدة على صفاته الحسنة، أو يعمق تلك الصفة في ذاته.
أما حينما يدفن نفسه تحت ركام الضعف والعجز وعدم المقدرة على تحمل سلبيات البعض، أو يوحي لنفسه بعدم قدرته على التحمل، فإنه يمارس عملية هدم وردم لكل تلك القدرات والإمكانيات والطاقة التي لو استطعنا استثمارها بشكل جيد لأمكننا الحياة في جو هادئ بعيد عن تأزم الجانب النفسي في داخلنا، كما أننا بإحساننا لمن يخطأ في حقنا نكون قد ملكناه، وأرحنا أنفسنا من كثير من الضغوطات النفسية.
وبمناسبة ذكرى استشهاد سيدتنا ومولاتنا سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، هذه المرأة العظيمة التي استطاعت أن تملك القلوب والأفئدة بما تمتلكه من صفات أخلاقية وقدرات هائلة وشموخ لا يدانيه شموخ، وكانت ومازالت المثل الأعلى للنساء والرجال في جميع أبعاد شخصيتها الفذة، نسوق الحديث عن واقع المرأة اليوم وما تعيشه من ثقافة وكيف تتعامل وتتفاعل مع تلك القيم والمبادئ التي جسدتها الزهراء (ع).
المرأة بين ثقافتين
تسهم ثقافة أي مجتمع في صياغة تفكير وسلوك أفراده، وإيجاد ما يتلاءم مع تلك الثقافة من أفكار وعادات وتقاليد وأنماط اجتماعية، فإذا كانت الثقافة السائدة ثقافة واعية فإنها تساعد في صناعة الوعي وخلق روح الإبداع، أما إذا كانت الثقافة السائدة في أي مجتمع ثقافة استهلاكية، فإنها بلا ريب تهتم بالكماليات وتساهم في تسطيح ثقافة الفرد والمجتمع.
إن الثقافة الموجهة للمرأة اليوم هي ثقافة تركز على البعد الاستهلاكي، نظرا إلى أن المرأة أكثر استهلاكا واهتماما بالكماليات والأزياء والموضة، تعمل على استبدال العادات والتقاليد الحسنة والقيم الاجتماعية والإسلامية، بعادات وتقاليد جديدة سيئة لا تتلاءم مع قيمنا ومبادئنا الإسلامية، وتعمل على تركيز اهتمام المرأة بالقضايا الشكلية بدلا من القضايا الجوهرية متناسية البعد الروحي للمرأة وتحويلها إلى عامل جذب وإغراء.
"ومتى ما استطاعت المرأة في مجتمعاتنا أن تؤصل هويتها الإيمانية، وأن تعبر عن انتمائها القرآني، وأن تحافظ على قيمها الروحية، وأن تتحدى محاولات التجهيل والتجميد فهي الجديرة برسالة الحرية والعزة والكرامة.
قد تنظر المرأة إلى أن أحكام الشريعة وضوابط الدين وقيم الإسلام وتوجيهات القرآن هي التي حولت المرأة المسلمة إلى عنصر عاطل، وإلى طاقة جامدة، وإلى قدوة مشلولة بفعل القيود الثقيلة التي أرهقت حركة المرأة وأعاقتها وخنقت طموحها، ولكن هذا الكلام فيه افتراء وتجن على الشريعة والدين والإسلام والقرآن، فإذا أردنا أن نعتمد التاريخ كشاهد فالشواهد كثيرة على أن المرأة في ظل معطيات الشريعة والدين والإسلام كانت الأديبة والمثقفة والمجاهدة والعالمة والعاملة والمربية...
وأمام كل ذلك؛ فعلى المرأة أن تبحث عن النموذج القدوة الذي يكون الأقدر على التعاطي مع ضرورات العصر، وحاجات الحاضر، ولا يصح أن تتبنى النموذج الغربي والتغريبي أو النماذج للمرأة التي تروج لها وسائل الإعلام في صياغته لشخصية المرأة حسب مفهومه وسياسته وأهدافه وغاياته، إذ أن ما تروج له هذه الوسائل في واقعها تعارض المبادئ والقيم والهوية الإسلامية بشكل واضح وصارخ.
فعملية الاجتذاب والاستقطاب تحت مسميات وعناوين براقة قادرة على أن تمسخ هوية المرأة المسلمة المؤمنة، كرفع شعار تحرير المرأة أو حرية المرأة وحقوق المرأة، فكل هذه وغيرها استطاعت أن تؤثر بشكل سلبي على وعي وإدراك المرأة اليوم، خصوصا إذا لم تتحصن ثقافيا وفكريا وأخلاقيا، ولا تمتلك ثقافة واعية مسؤولة.
إن الإسلام قد دعا قبل ذلك إلى تحرير المرأة من الجمود والقيود والانغلاق والجهل والتخلف، ولكن ليس من خلال مشاريع تسقطها في شكل جديد من أشكال العبودية والهوى والابتذال والضياع والفساد والإغراء والضلال.
إن التحرر الحقيقي هو أن تتحرر المرأة من جميع أسباب الجمود والانغلاق ومصادرة الهوية الإسلامية وإلغاء الانتماء الإيماني، وأن تمتلك إرادة التحدي والصمود والمواجهة أمام أي مشروع يستهدف سير المرأة في المجتمع بمفاتنها" [5].
هناك فرص واضح بين امرأة جاهلة لا تعلم من أمور الحياة سوى الأكل والشرب والنوم وموديلات الملابس والزينة والمظاهر الزائفة وإضاعة الوقت في الأمور السطحية، وبين امرأة تحمل آفاق الحياة بين يديها، تنظم حياتها وفق ما تره مناسبا لإسعادها وإسعاد من حولها، فالفرق واضح جلي بين امرأة عالمة مدركة تعي، وأخرى لا حظ لها غير ثقافة التلفاز والقشور.
فالمرأة الفاهمة تعلم ما لها وما عليها من حقوق وواجبات، تستطيع أن تأخذ دورها في الحراك الاجتماعي وتساهم في عملية البناء.
نقصان ثقافة لا نقصان عقل
خلق الله تعالى الإنسان وكرمه على سائر خلقه، وقد جعل له مكانة وامتيازات، فيقول تعالى في سورة الإسراء آية (70):{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.
وهذا التكريم شامل لكل من الرجل والمرأة، فليس للرجل امتيازات تفوق المرأة في أي جانب من جوانب الحياة، فهما متساويان من حيث الخلق والتكريم، والحقوق والواجبات.
وبما أن الله تعالى قد أعد وهيأ كل واحد منهما لمهمة ووظيفة ودورا خاصا به في الحياة، كان ولابد أن تكون المؤهلات والإمكانات بحسب وظيفة كل واحد منهما، وبحسب دوره، مناسبة للدور والوظيفة.
والمرأة باعتبارها حاضنة للجنين مربية لأولادها، لابد أن تتوفر فيها صفات تكون واضحة في شخصيتها أكثر من الرجل، فهي تتحلى بالصبر والحنان والعاطفة الجياشة والحب المتدفق والحنو، كل ذلك لأجل أن طبيعتها هي الحمل والاعتناء بتربية وتلبية حاجات أبنائها، ولو افتقدت تلك الصفات من قلبها، لما تمكنت أي امرأة من تحمل عناء الحمل والولادة والسهر والتعب.
ولكون المرأة تغلب الجانب العاطفي في تعاملها -وهذا من طبيعتها- قد يراها البعض على أنها ناقصة عقل، ولكن هذا القول يجانب الصواب، فالمرأة ليست بناقصة عقل، وعقل الرجل لا يفوقها، وقد ذكر القرآن الكريم في سورة النمل، المرأة ورجاحة عقلها في قصة بلقيس ملكة سبأ حيث تذكر الآيات، أن نبي الله سليمان قد بعث إليها بكتاب يأمرهم بالتسليم له، فلم تتخذ أي قرار في مواجهة ذلك، ولم تستبد برأيها، ولكنها دعت المستشارين والوزراء للمناقشة والوصول إلى أفضل الآراء لمواجهة ذلك، وليكون القرار قرارا جماعيا.
إن هذه الخطوة التي اتخذتها تدل على رجاحة عقلها ونضجها وإدراكها واتزانها.
ولأهمية المرأة وتأكيدا على حقوقها ومكانتها، فقد سمّا الله تعالى سورة كاملة بالنساء.
فالمرأة في مجتمعاتنا تحتاج أن تستكمل أبعاد شخصيتها من خلال التوجه للثقافة والمعرفة والاستزادة من ثقافة الحياة، لتكون واعية مدركة لواقعها ومستقبلها، تستمد تلك المعرفة من خلال حياة الزهراء (ع) وسيرتها العطرة، وسلوكها وإيمانها وعفتها وعلمها وأخلاقها.
إنني أحب الزهراء (ع)
هكذا هو جواب المرأة اليوم.. إنني أحب الزهراء (ع) وأعشقها! ولكن ماذا تعرفين عن الزهراء (ع)، في كل أدوار حياتها؟
كم كتاب قرأت عن فاطمة الزهراء (ع)؟
هل تحاولين الاقتداء بفاطمة الزهراء (ع)، وهل نظرتي لفاطمة على أنها أفضل أنموذج يجب الاقتداء به؟
ماذا يعني انتمائي لفاطمة الزهراء (ع)؟
ليس الحب إلا إتباع المحبوب في حياته وسيرته، للوصول إليه، ولا يعني الحب السير في الاتجاه المعاكس والابتعاد عنه، فالحب ليس مجرد إدعاء أو كلمات تقال وتلوكها الألسن، وإنما الحب فعل وممارسة وسلوك، يقول تعالى:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }[6] .
فالإسلام يضع الزهراء (ع) كأهم أنموذج إقتداء لنساء المسلمين لما تحلت به الزهراء (ع) من أخلاق وسلوك وعبادة وعلم ومشاركة اجتماعية، وجهاد وتربية، فقد تمثلت في شخصيتها كل المبادئ والقيم، وجسدتها في واقعها وحياتها.
وعند الحديث عن الزهراء (ع) باعتبارها القدوة والأسوة، فإن ذلك لا يكون إلا في البعد الإنساني الذي قد قدمنا الحديث عنه آنفاً، بمعنى أن الصفات والملكات الإنسانية والأخلاقية القابلة للزيادة والنقصان وتربيتها في نفوسنا يمكن لنا أن نتعامل معها بشكل إيجابي، ولا ننظر إليها على أنها غير قابلة للممارسة والتطبيق إلا في الشخصيات العظام كالزهراء وأهل البيت (ع).
فلو أننا كنا عاجزين وغير قادرين على الاقتداء بهم واتخاذهم أسوة لنا، في أفعالنا وردود أفعالنا وضبطها والسيطرة عليها، لما أمرنا الله تعالى أن نتخذ النبي (ص) أسوة لنا في حياتنا، حيث قال في سورة الأحزاب آية (21):{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.
الزهراء الأنموذج الأفضل
فقد حملت الزهراء (ع) بين جنبيها هموم الرسالة والأمة، وهي الأم والزوجة والبنت، كانت مع كونها زوجة إلا أنها لم تغفل واجباتها تجاه الأمة، ومع كونها أما، إلا أنها استطاعت أن تربي الأجيال، لم تقتصر على تربية أبنائها فحسب، ومع كونها بنتاً، إلا أنها حملت أعباء الأم، فكانت مع رسول الله (ص) في جميع خطواته منذ أن كانت صغيرة لم تتجاوز الست سنوات من عمرها، حتى كانت تكنى بأم أبيها (ع).
لقد كانت تغدق على أبيها حنانها ومواساتها، وتخفف عنه أعباء تبليغ الرسالة، والهموم التي كانت على كاهله من عناد ومحاربة قريش له (ص).
ومع كل ذلك فقد كانت تعيش حياة متواضعة، تكدح وتشقى وتعمل في بيتها بكل حب وراحة بال وسعة صدر، فقد ورد عن علي (ع):"ألا أحدثك عني وعن فاطمة إنها كانت عندي وكانت من أحب أهله إليه وأنها استقت بالقربة حتى أثر فصدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد. فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك ضر ما أنت فيه من هذا العمل فأتت النبي (ص) فوجدت عنده حداثا فاستحت فانصرفت. قال: فعلم النبي (ص) أنها جاءت لحاجة، قال: فغدا علينا رسول الله (ص) ونحن في لفاعنا فقال: السلام عليكم، فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثم قال: السلام عليكم فسكتنا ثم قال: السلام عليكم. فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف وقد كان يفعل ذلك يسلم ثلاثا فإن أذن له وإلا انصرف، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله أدخل فلم يعد أن جلس عند رؤوسنا، فقال: يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمد؟ قال: فخشيت إن لم نجبه أن يقوم قال: فأخرجت رأسي فقلت: أنا والله أخبرك يا رسول الله إنها استقت بالقربة حتى أثرت في صدرها وجرت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك ضر ما أنت فيه من هذا العمل، قال: أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربع وثلاثين قال: فأخرجت (ع) رأسها فقالت: رضيت عن الله ورسوله ثلاث دفعات"[7] .
هكذا كانت تنظر الزهراء (ع)، فلا ضير إن فات عليها شيء من حطام الدنيا في سبيل الآخرة، تتعامل مع ما يشغلها تعاملا إيجابيا.
الجار قبل الدار
لا شك أن الإنسان إنما يشتري جارا لا دارا، حينما يريد السكن، فإن أول ما يبحث ويسأل عنه هو الجار وتدينه وأخلاقه وسلوكه، ولا يهمه بعد ذلك قيمة الدار، إذ أن القيمة الحقيقية تكمن في قيمة جاره.
كما أن العلاقات الإنسانية قائمة على التواد والتراحم، فإذا كان هناك ما يعكر صفو ذلك، فإن العلاقة ستؤول للدمار والاندثار والاضطراب، مما يسهم في إضعاف اللحمة الاجتماعية، لذلك وحتى يكون جو الحب والوئام هو السائد بين أبناء المجتمع الواحد، سواء أكانوا جيرانا أو غير ذلك، فإن هناك بعض الأعمال إذا مارسها الإنسان فإن آثارها تنعكس على الجميع، فتنشر المحبة والرحمة والود بينهم.
كما أنها تعكس مقدار اهتمام القائم بها بأبناء مجتمعه وحبه لهم، والاهتمام بشؤونهم وما يعكر صفو عيشهم.
من هنا تأخذ العلاقة طابعا إيمانيا، مبنية على الأخوة في الله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[8] .
لذلك نرى الزهراء (ع) دائما تتوجه بالدعاء لجيرانها وللمؤمنين، تسأل الله تعالى لهم قضاء الحوائج والرضا والغفران والرحمة، وكانت تدعو لكل واحد باسمه، ففي بحار الأنوار ج(42)،  ص(82):"كانت فاطمة (ع) إذا دعت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها، فقيل لها: يا بنت رسول الله إنك تدعين للناس ولا تدعين لنفسك، فقالت: الجار ثم الدار".
هكذا الزهراء (ع) القدوة والأسوة، في أفضل سيرة لامرأة في تاريخ البشرية.
----------------------

[1]العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج100،ص236.

[2]الشيخ الطوسي. مكارم الأخلاق، ص197.

[3]المصدر السابق: ج42، 98.

[4]العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج32، ص174.

[5]كلمة الجمعة للسيد عبد الله الغريفي بتاريخ 29 يونيو 2004. موقع السيد الالكتروني

[6] آل عمران/31.

[7]بحار الأنوار، للمجلسي: ج43، ص82.

[8]الحجرات/10.

---------------------

كلمة الجمعة بتاريخ 11 جمادى الأولى 1432هـ. الموافق 15 أبريل 2011م.

من نفحات العصمة
إِنَّ
الْأَمُورَ إذا اشْتَبَهَتْ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا
الإمام علي (ع)
صورة عشوائية
شخصية