سماحة الشيخ يدعو لقراءة سيرة الإمام الصادق (ع) في الشأن الاجتماعي      الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين                                   
{right_ad}
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 4
زوار الموقع 711769

كلمات الجمعة
أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي
الشيخ صادق الرواغة | 2010-08-05| قراءات [3449]

تتشكل المجتمعات البشرية من مكونات اجتماعية، لها خصوصياتها وما يميزها، والمكونات الاجتماعية التي تدخل في عملية بناء الكيان الاجتماعي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: تباين المكونات.
وتكون المجتمعات فيها قائمة  على الاختلاف القومي أو الديني، فهناك القومية العربية والقومية غير العربية،أو قائمة على أساس الاختلاف في الدين، كالإسلام والمسيحية أو غيرها من سائر الديانات الأخرى، كما هو واضح في الدول الغربية وكثير من الدول العربية التي تشكل التركيبة فيها خليطا من قوميات وأعراق وديانات متنوعة.
الثاني: مكونات متشابهة.
كما لو كانت تلك المكونات مشتركة يجمعها دين واحد وأصول عقدية عامة، كالمسيحية التي تنوعت إلى كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس وغيرها، أو كالمسلمين الذين ينقسمون إلى مذاهب ومدارس متنوعة كالشيعة الإمامية، والحنابلة والشافعية والزيدية والمالكية والحنفية، إلى غير هذه المذاهب الإسلامية، والتي تشترك جميعها في أركان الإسلام، وتختلف في الجزئيات الأخرى  المرتبطة بعملية الاجتهاد.
الثالث: مكون آحادي.
بأن يكون المجتمع مبني من مكون واحد لا غير، كتركبه من مذهب ومدرسة واحدة، يستقي فكره وثقافته منها.
ومجتمعاتنا -في الغالب- تتكون من أنسجة اجتماعية ضمن عقيدة واحدة، ولكنها مختلفة فيما يرتبط بالتوجهات الفكرية والسلوكية، تتجاذبها تيارات فكرية متنوعة ضمن أصول ثابتة، يجمعها إطار عام، كما لو أردنا أن نضيق دائرة هذا المجتمع بالحديث عن مجتمعنا الذي ننتمي إليه فإنه يتكون من مدرسة أهل البيت (ع).
نلحظ من خلال هذا التقسيم أنه وأن كانت هناك مكونات متباينة أو متشابهة أو آحداية الجانب، فإنه لا يعني أن ثقافة وفكر وتوجه أبناء ذلك المجتمع ذا طابع واحد، بل يمكن أن يكون فيها اختلاف وتباين حسب البيئة والمحيط الذي يعيش أجواء ثقافته وحسب المفاهيم التي تأصلت لديه والتوجهات في تبني الآراء.
إن هذا الاختلاف سمة هذا الكون بما فيه، وهي سنّة حاكمة عليه لا يمكن إلغاؤها مهما حاولنا ذلك، فمن حق كل أحد أن يؤمن بما يريد، ويرفض ما لا يريد وما لا يتفق ولا ينسجم معه، فمن حق أي شخص أن يتبنى ما يراه ملائما حسب قناعته وميوله وتوجهه، بغض النظر عن صحة ما اعتقد وآمن به.
وبما أن مجال تبني الآراء والأفكار أمر متاح لكل أحد، وبابه مفتوح على مصراعيه، ومنه تتشكل الذهنية الفكرية والثقافية والسلوكية لأبناء أي مجتمع، بل ربما يكون صفة وسمة اجتماعية عامة، فليس لأحد أن يحاسب الآخرين على تبنيهم أراء تختلف مع توجهه وثقافته، فإن للجميع أن يمارسوا حقهم في الاعتقاد وتبني ما يريدون وفق الضوابط الشرعية.
الثقافة أساس المنهج العملي.
كلنا يمتلك حصيلة معرفية بنسب متفاوتة، وقناعات متنوعة، ومنبع هذه الثقافة المدرسة الفكرية والمفاهيم والقيم التي نشأ عليها، والبيئة والمحيط والجو الذي يعيش فيه، كما أن للميول والبعد النفسي دخل في تحديد مسار الإنسان في نوعية الثقافة التي يتربى عليها، وينتهجها في حياته وسلوكه.
فشخصية الإنسان تصاغ من خلال كل ذلك، مضافا إلى الجانب التربوي المباشر أو غير المباشر الذي يتربى عليه.
ومن جانب آخر؛ أن الناس في واقعهم ليسوا على مستوى واحد من الوعي والإدراك، كما أن نسبة التلقي واستخدام القدرة العقلية مختلف من شخص لآخر، مما يعني اختلاف واضح في المستويات والمعرفة والفهم والوعي والإدراك.
هذه الأفكار والثقافة التي نتربى عليها ونؤمن بها ونتفاعل معها، هي التي تحدد السلوك الفردي والجماعي، ونهج العمل الاجتماعي، بمعنى آخر أن تلك الأفكار هي التي تصوغ الرؤية للعمل والنشاط الاجتماعي الذي يمارسه كل منا، ولا يمكن التفريق بين البعد الثقافي والفكري والمنهج العملي والسلوكي.
فمن خلال الكم المعرفي والثقافي الذي يتربى عليه الإنسان بعد إن تتشكل لديه قناعة، فإن تلك المنظومة الفكرية والآراء التي استلهمها وآمن بها، تتحول إلى منهج عمل ونظام سلوك، ينعكس أيضاً على تصرفاته وأحاديثه.
كما أننا لا يمكن أن نلغي دور النفس وميلوها في عملية اختيار الآراء والمنهج، فإن لها دور بارز في تحديد ذلك، حيث أنها تختار ما تعودت عليه من ثقافة وسلوك، والذي ينسجم وميلها وطبعها الذي طبعت عليه.
من هنا؛ أن الثقافة الخاضعة لعملية الاجتهاد -مثلا- لا يمكن أن توصف بالعصمة والحق المطلق، وبالتالي يجزم بصحة آرائه ومنهج نشاطه وبطلان آراء الآخرين ومنهج نشاطهم، الذين ليسوا معهم ضمن التوجه والميول، فمن فتح له باب تبني الآراء قد فتحه لغيره أيضا، مما يعني أن للآخرين حق الاحتجاج عليه بمثل ما احتج هو عليهم، وكل يدعي وصلا بليلى.
منهجية النشاط الاجتماعي
قد سبق أن الثقافة والبعد المعرفي هو الذي يحدد منهج عمل وسلوك ونشاط الإنسان وفق تلك المفاهيم، إذ لا يمكن التفكيك بين البعد الثقافي والعملي، لاعتماد النشاط والممارسة العملية على الجانب المعرفي والثقافي الذي تتشكل منه الآراء والتوجهات، وقلنا أيضا أنه لا يمكن الإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، لا على مستوى الفكر ولا على مستوى منهج العمل والنشاط الاجتماعي.
إن منهج العمل والسلوك ربما يكون خاطئا إذا كانت الثقافة والرؤية خاطئة قد تشكلت من خلال التأثر بالبعد النفسي والعاطفي مع عدم استقلالية العقل بتبني الآراء، أو من خلال وقوع الخطأ في التشخيص للواقع المعاش، أو لوجود شبهة في النظر للواقع.
وربما تكون رؤية الإنسان قاصرة من جوانب كثيرة، منها عدم وجود تجارب سابقة في ممارسة العمل والنشاط الاجتماعي أو يكون لقصور النظرة في ما وراء النشاط أو ربما تكون نظرته للأمور من زاوية حادة ضيقة ليس فيها اتساع وشمولية، فيترتب على ذلك بطبيعة الحال قصر نظر وضيق أفق، يوصله لرفض أي نشاط لا يتلاءم وينسجم مع ما يتصوره صوابا في وجهة نظره.
وإذا كان منهج العمل والنشاط قائم على نهج ثقافته ورؤيته للأمور ومفاهيمه التي آمن بها، فطبيعة الحال ربما يكون منهج النشاط خاطئ بناء على الرؤية الخاطئة ونوعية الثقافة التي تربى ودرج عليها، كما يمكن أن يكون المنهج لا يتلاءم والمرحلة التي يؤسس لها عمله ونشاطه، أو لوجود مفاضلة بين مناهج متعددة بعضها يكون أقرب للصواب من أنشطة أخرى.
فالنشاط والسلوك إنما هو انعكاس لمفاهيم صاغت شخصيته ونمط تفكيره ونظرته للأشياء، يتعامل على ضوئها وهديها، تكون عرضة النقد والتجديد طالما سرنا في طريق التفكير المستمر، فإن الفكر يتجدد والنظرة للأشياء كذلك، فممارسة الاجتهاد في استنباط الأفكار والمفاهيم هي عملية حيوية متحركة تضيف جديدا وتصحح خطأ، كنهر جارٍ يأتي بماء جديد في كل أوقاته.
إشكالية المواقف والسلوك
إننا نعيش إشكالية في المواقف والسلوك وردود الأفعال تجاه ما يحدث في وسطنا الاجتماعي من بوادر أو نشاطات اجتماعية متنوعة، سواء أكان على المستوى الفكري أو الممارسة العملية، ففي نفس الوقت الذي ننظر فيه لأهمية العمل والنشاطات الاجتماعية التي تهدف رفع مستوى الوعي وتنمية البعد الثقافي والفكري والعملي لدى أبناء المجتمع وإشراكهم في مضمار العمل الاجتماعي، ومع إدراكنا بأهمية التعاون وإشاعة أجواء الألفة والمحبة بين مختلف الأطياف والتوجهات، إلا أننا وفي نفس الوقت نقوم بحركة عكسية من خلال اتخاذ بعض المواقف غير المسؤولة ضد الجهات الفاعلة في المجتمع بحجج ومبررات واهية لا واقع لها، بل البعض يتعمد تشويه ما يقوم به الآخرون، في محاولة لإفشال مشاريعهم وأعمالهم وأنشطتهم.
الشهود والإطلاع
الإنسان جزء من التركيبة الاجتماعية، يتفاعل معها وتتفاعل معه، ينفعل بها وتنفعل به، لثنائية التأثير والتأثر، فهو يعيش ضمن مجموعات بشرية تتداخل مصالحها مع بعضها بعضا، كما أن لكل شخص كيانه الخاص به ورؤيته وتحليله للأشياء التي تدور حوله.
ولكون الإنسان ضمن هذه التركيبة التي تتألف من مجمل أبناء المجتمع على اختلاف توجهاتهم وأطيافهم، فإن أنشطته ومنهجه العملي يكون مرصودا من قبل المتابعين والمراقبين والمهتمين بالشأن الاجتماعي العام، يسلطون عليه الضوء ويكون عرضة النقد والتمحيص.
 وعندما نقول عرضة النقد والتمحيص فذلك يعني كون الهدف من عملية النقد هو محاولة الوصول لأفضل المناهج وتطوير ما بين أيدنا من أنشطة وسلوك، ولا يعني مجرد التهجم والتهكم ونقد النشاط نقدا سلبيا يخلو من المسؤولية، فإن أبناء المجتمع لهم حق النظر فيما يقوم به الإنسان من نشاط اجتماعي، ولكن ذلك الحق لا يصل إلى مستوى النقد اللاذع الخالي من الحضارية والإنسانية، فينال الشخوص بدل الأفكار والمناهج العملية والأنشطة، بغية هدمها وإفشالها لا تقويمها لتطويرها.
يقول تعالى:{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [1].
وقد ورد في تفسير هذه الآية المباركة، أن أعمال الإنسان يطلع عليها الله تعالى والرسول  والمؤمنون، والمراد بالمؤمنين هم أئمة أهل البيت (ع)، كما دلت عليه الروايات الواردة عنهم (ع) والتي ربما بلغت التواتر، فمنها على سبيل المثال:
ما ورد عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال:"تعرض الأعمال على رسول الله (ص) أعمال العباد، كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروها، وهو قول الله تعالى: {اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}"  وسكت [2].
وعن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل:{اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}. قال:"هم الأئمة" [3].
وهناك الكثير من الروايات التي تدل على أن أئمة أهل البيت (ع) تردهم أعمال العباد ويطلعون عليها.
إن سياق الآية المباركة يدل على أن المقصود بالمؤمنين ليس كل المؤمنين، وإنما فئة خاصة لهم صلاحيات الإطلاع على أعمال العباد، بمعونة أن الله تعالى مطلع على كل عمل يقوم به الإنسان صغيرا أم كبيرا، في السر والعلن أم في الجهر والخفاء، إذ أن هذه الخصوصية، وهي الإطلاع على أعمال الناس المخفية والتي تكون في الخفاء، لا يمكن لأحد أن يطلع عليها إلا الله تعالى والرسول (ص) والمؤمنين، وهي ليست للمؤمنين العاديين من سائر الناس، بل هي لمن خصهم الله تعالى بذلك دون غيرهم وهم أئمة الهدى (ع) من أهل بيته.
ولكن إن أخذنا الآية واستبعدنا الجانب الخفي في أعمال الناس، فإن للمؤمنين حالة إطلاع على ما يقوم به أبناء المجتمع من أنشطة، فيراقبون ويشهدون، وبالتالي يكونون كجهاز رقابة على الأعمال والنشاطات الاجتماعية.
فالرؤية والإطلاع إنما تعني تقويم العمل والنشاط والمنهج المتبع، للوقوف على أخطائه إن وجدت فيه أخطاء وهفوات، وكذلك في سبيل الرقي والنهوض والتطوير.
فالرقابة والنقد مسؤولية الجميع، لا بنحو النقد السلبي وهو التنقل من مجلس لآخر والحديث في الظلام كخفافيش الليل همهم إسقاط النشاط وصاحبه من الاعتبار، والتهكم عليه بمختلف الأوصاف التي باتت شبه متأصلة في ثقافتنا وردود أفعالنا.
وإن لم يساعدنا توجيه الآية المباركة لما تقدم من مفهوم، فإن الآية التالية لها مدلول الرقابة والمتابعة والنقد والشهود الحضاري على أعمال وسلوك أبناء المجتمع سواء الفردية أم الجماعية والتي تهدف المصلحة الاجتماعية.
يقول تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [4].
فالآية المباركة تدل على أن الأمة المسلمة شاهدة على غيرها والرسول  شاهد عليها، وهم شهود على أنفسهم وعلى بعضهم بعضا.
وهذا الشهود والرقابة تحتاج إلى معايير وقيم أخلاقية واجتماعية، وضوابط شرعية تضبط سلوك الإنسان وردود أفعاله تجاه الأحداث الاجتماعية، وتجاه الأفراد التي تمارس أنواع الأنشطة.
أنسنة السلوك
الإسلام دين الحاضرة والتقدم والإنسانية، دين يدعو لاحترام الآخر أيا كان ذلك الآخر، يدفع باتجاه التعامل الإنساني ضمن قيم الدين ومبادئه وضوابطه، يربي أبناءه على قيم ومبادئ العفو والتسامح واللين، ونبذ العنف بأشكاله وألوانه.. العنف الجسدي و المعنوي في اللفظ والقول، بل حتى أنه يمنع أمثال الغمز واللمز والهمز وتوعد أصحابها بالويل والعذاب، كما هو ظاهر:{وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [5].
 إن السلوك الإنساني يخضع لقيم اجتماعية وأخلاقية ودينية، وهو يتميز بالحس الاجتماعي والحس الأخلاقي، وهما ميزتان تعيدان الاتزان إلى سلوك الإنسان ورجوعه لإنسانيته.
فأنسنة السلوك تعني العودة للفطرة السلمية، وممارسة التعقل في حل المشكلات وفي ممارسة الشهود والنقد، والتعاطي بالحكمة مع مختلف القضايا.
والسلوك الحكيم هو السلوك الذي ينبع من صميم وعمق التعاليم الإسلامية التي تشكل الأرضية والقاعدة التي ننطلق منها وتحدد ملامح وأبعاد شخصياتنا.
إن تعاليم القرآن الكريم والنبي الأكرم (ص)، وأئمة أهل البيت (ع) تؤكد على ضرورة التحلي بالقيم والمبادئ في تعاطينا مع مختلف القضايا والأشخاص حتى وإن اختلفنا في الرؤية والمنهج، وأن تكون تلك القيم حاضرة دائما في ممارسة الاختلاف كحق مشروع.
فالسلوك الاجتماعي يخضع لقيم اجتماعية، هذه القيم حاكمة على العلاقة بين أبناء المجتمع تحفظ حقوق الأفراد والجماعات، وتمنع من التعدي عليها.
النضج العقلي
ورد في آيات القرآن الكريم استخدام العقل باشتقاقاته المتنوعة وكذلك بألفاظ متخلفة تؤدي نفس المعنى في أكثر من تسعة وتسعين آية بين دفتي الكتاب العزيز، وهذا الكم الهائل يدل على أهمية ودور العقل واستخدامه.
إننا وكبشر نمارس استعمال هذه القوة الهائلة التي منحها ووهبها الله تعالى للإنسان وبها تميّز على سائر المخلوقات، ولكن الإشكال الحقيقي ليس هو في استخدام العقل، ولكن المشكلة تكمن في مقدار نضج هذا العقل في التعاطي مع مختلف القضايا والأحداث واتخاذ المواقف والقرارات.
أن نترقى في تفكيرنا وبمستوى خلافاتنا لمستوى النضج العقلي الذي يأخذ بالإنسان نحو المثالية الإنسانية التي تسير نحو التكاملية.
و"يمكن لنا أن نعرف العقلية تعريفًا إجرائيًا فنقول: إنها مجموعة الطرائق والأساليب والمفاهيم المترابطة والراسخة التي نستخدمها في استيعاب الواقع الموضوعي والتي نحدد في ضوئها مواقفنا من الأحداث والأشياء، وننظم على هديها ردود أفعالنا. إنه يمكننا مع شيء من الجرأة وشيء من التسامح أن نقول: إن للعقلية شكلاً ومضمونًا، وإن الشكل يتمثل في طرق التفكير وأساليبه. أما المضمون فيتجسد في مجموعة المفاهيم المترابطة التي تشكل رؤيتنا للحياة، كما تشكل المعايير التي على أساسها نقوم الأشياء. النضج العقلي هو دائمًا شيء نسبي، فالبشرية كائن يتعلم باستمرار. والكمال في هذا الباب شيء نرومه ونناهزه لكننا لا ندركه. ذلك النضج يتعاظم كلما زادت خبرة العقل بطرائق عمله، وكلما اكتشف أوجه القصور في طبيعة تركيبه، بالإضافة إلى امتلاكه المفاهيم التي تسمح له بالتفتح والنمو والمراجعة." [6].
نقد وحوار متمدن
يمكن القول أن الغرب قد سبقنا في أنسنة السلوك وأسلمته على مستوى الداخل، بما استفادوه من طول تجارب في التعاطي مع المؤتلف والآخر المختلف ومع مختلف القضايا والأحداث، وكذلك بقراءتهم لتراث كثير من الأمم وتجاربها، لذلك نادرا نجد من يقوم بالتعرض للأشخاص تاركا النشاطات ومنهجيتها في العمل، أما نحن المسلمين نعيش ضيق أفق في تقبل الآخر أو تقبل منهجه على مستوى النشاط الاجتماعي.
كما أننا دائما نسعى للغة التخوين وسياسة شق الصدور والبحث في مطاوي القلوب والتفتيش عن النيات في أغلب تعاملاتنا مع بعضنا.
كما أننا ننزل لمستويات دنيا بعيدة عن الحضارية والإنسانية والقيم والمفاهيم والمبادئ في خلافاتنا واختلافاتنا، فنجد البعض يستخدم أساليبا سوقية رخيصة للنيل من الآخرين.
فإذا كان الإسلام دين العقل فعلى من ينتمي إليه أن لا يغفل هذا الجانب المهم والذي عليه محور التكاليف الإسلامية، وإذا كان هو الفيصل بين الإنسان وسائر المخلوقات فعلى الإنسان أن يرعى أهميته ليميز نفسه على العجماوات.
فالاختلاف أمر مشروع كما أنه صحي يبعث على التقدم والتطوير والتصحيح، ولا يبعث على الهدم والتخريب، ولولا العقل لما استطاع إنسان اليوم أن يصل لما وصل إليه من تقدم وتطور، ولولا عملية النقد البناء التي تهدف التطوير لتوقفت البشرية في درجة واحدة، ولما سارت في طريق التكامل والنضج الفكري والعقلي والإنساني.
ونختم الحديث بهذه الرواية كما في الخصال: ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن حماد، عن عبد العزيز قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام: فذكرت له شيئا من أمر الشيعة ومن أقاويلهم فقال:"يا عبد العزيز الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم، له عشر مراقي، وترتقى منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولن صاحب الواحدة لصاحب الثانية: لست على شيء، ولا يقولن صاحب الثانية لصاحب الثالثة: لست على شيء -حتى انتهى إلى العاشرة- ثم قال: وكان سلمان في العاشرة وأبو ذر في التاسعة والمقداد في الثامنة، يا عبد العزيز لا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك، وإذا رأيت الذي هو دونك فقدرت أن ترفعه إلى درجتك رفعا رفيقا فافعل، ولا تحملن عليه مالا يطيقه فتكسره، فإنه من كسر مؤمنا فعليه جبره، لأنك إذا ذهبت تحمل الفصيل حمل البازل فسخته" [7].
إن عملية النقد والحوار المتمدن مع من نختلف معه هو الأسلوب والطريق الأفضل للوقوف على آرائهم، ومناقشتها باحترام وأدب بالغ، كما هو ديدن أئمة أهل البيت (ع) في حواراتهم واحتجاجاتهم مع من يختلف معهم، وأن تكون القيم الإسلامية حاضرة في تعاطينا مع ما يشغل اهتماماتنا وقضايانا.
يجب أن تكون أبوابنا مفتوحة على مصراعيها وصدورنا واسعة رحبة، لاستقبال من يختلف معنا في فكر أو رأي أو منهج عمل ونشاط، كما أن على الطرف الآخر أن يكون في مستوى النضج العقلي والاجتماعي في تعاطيه مع من يختلف معهم، وأن يبادر ويلتقي بهم لكي يقف على ما ربما يكون مشتبها في اتخاذ المواقف والقرارات والآراء السلبية ضدهم، لا أن نلجئ لأساليب خالية من الحكمة والتعقل.
ليس عيبا أن يسعى الإنسان لتحقيق مصالحه، ولكن عليه أن يسلك سلوكا إنسانيا، وهو سلوك يتناقض مع الأنانية، وهو سلوك الانفتاح على الآخر، يؤمن أن الذات لا قيمة لها خارج المجتمع، فكلنا يرى نفسه مضطرا للتضحية من أجل آخرين في موارد كثيرة، فكيف إذا كان من نضحي له هو مجتمع وكيان بأسره.
------------------------
[1]التوبة/105.
[2]الكافي، ج1، ص219.
[3]المصدر السابق.
[4] البقرة/143.
[5]الهمزة/1.
[6]عبد الكريم بكار. العقلية الناضجة.. شكل ومضمون: لماذا لا نحب التفكير؟! مجلة المعرفة الإلكترونية العدد83.
[7]وسائل الشيعة. ج11، ص429. مكتبة أهل البيت.
-------------------------
كلمة الجمعة بتاريخ 20 رجب 1431 هـ. الموافق 2 يوليو 2010م.

من نفحات العصمة
نِعْمَ
الطِّيبُ الْمِسْكُ، خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ، عَطِرٌ رِيحُهُ.الإمام علي (ع)
صورة عشوائية
ذكرى استشهاد الزهراء ع