سماحة الشيخ يدعو لقراءة سيرة الإمام الصادق (ع) في الشأن الاجتماعي      الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين                                   
{right_ad}
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 4
زوار الموقع 711768

كلمات الجمعة
مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!
الشيخ صادق الرواغة | 2010-07-27| قراءات [3197]

تضافرت الروايات وبلغت حد الاستفاضة بل التواتر إن لم يكن لفظيا فمعنويا بضرورة ظهور المهدي المنتظر الموعود الذي بشر به النبي الأكرم (ص)، فغدت الفكرة عقيدة راسخة ومتيقنة بخروجه في آخر الزمان، ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
ولا يوجد من أنكر فكرة خروج المهدي المنتظر من المسلمين على تنوع مذاهبهم وفرقهم، بل آمن وسلم بها كافة المسلمين، وإن كان قد وقع الاختلاف في مشخصاته وصفاته، وأنه هل ولد فعلا أم لم يولد بعد؟! وهل هو من ولد الحسن (ع) أم الحسين (ع)؟! ولكن من حيث المبدأ فأن جميع فرق المسلمين ومذاهبهم على الإيمان به.
وهذه الفكرة -فكرة انتظار الرجل المصلح الذي يعم الأمن والخير والسعادة على يديه- ليست فكرة استفرد بها المسلمون فحسب، وإنما قد بشرت بها الديانات الثلاثة، كما هي موجودة أيضا عند الهنود والصينيين والزرادشتية، وقدماء المصريين، بل هي فكرة ارتبطت بالفكر البشري فكريا وروحيا ونفسيا، حتى أن بعض المفكرين الغربيين قد صرحوا بأن العالم في انتظار المصلح العظيم الذي يأخذ بزمام الأمور، وإن العالم في انتظار مصلح يوحد العالم تحت عَلَمٍ واحد وشعار واحد..منهم صاحب النظرية النسبية آنشتاين، وبرتراند راسل وبرنارد شو حيث يقول في وصف المصلح: إنسان حي ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية خارقة، إنسان أعلى يترقى إليه هذا الإنسان الأدنى بعد جهد طويل، وأنه يطول عمره حتى ينيف على ثلاثمائة سنة ويستطيع أن ينتفع بما استجمعه من أطوار العصور وما استجمعه من أطوار حياته الطويلة..وغيرهما.. [1].
فالإيمان بفكرة أن العالم بانتظار المصلح العظيم هي فكرة قد تأصلت  وتجذرت في الفكر البشري منذ القدم، فكل المحرومين والمستضعفين وغيرهم من سائر البشر يؤمنون بها فكريا ونفسيا وعاطفيا وروحيا ووجدانيا، ولكن يبقى الاختلاف حول تلك الشخصية وصفاتها ومشخصاتها، فكل ديانة قد حددتها وفق عقيدتها.
إذاً؛ فالاختلاف في تشخيصها لا يضر في أصل الفكرة ووجودها مرتبطة بما دلت عليه الأديان والعقائد، بل وحتى في الفكر غير الديني أيضا.
ويمكن القول أن الاختلاف في شخصيته من الأمور المسلم بها، إذا اقترن ذلك الاختلاف بالأصول العامة التي يؤمن بها أصحاب الديانات أو المذاهب الفكرية والعقدية، وهو -أي الاختلاف-لا ينفي أصل ظهوره وخروجه، كما لا ينفي أصل تحقق الفكرة ليس إسلاميا بل عالميا أيضا.
إن هذا الإيمان لا يمكن أن يكون بلا مستند أو دليل، وإنما لوجود أصول ومبادئ عند كل طائفة وديانة وقومية وفرقة، قد بشرت به كتبهم ورسلهم ومعتقداتهم، فلا يكون هناك مجال للشك فيه، لا من حيث أصل الفكرة ولا من حيث تحقق خروجه وظهوره.
الحاجة للمصلح فطرية
قد يتصور البعض أن فكرة المهدي المنتظر تتعارض مع فطرة الإنسان وطموحاته وتطلعاته، إذ أن الإيمان بها يولد لدى الإنسان ثقافة الكسل والتواكل وعدم الفاعلية، أمام مظاهر الظلم والفساد التي تستشري في المجتمعات البشرية، فيعيش منتظرا المصلح الذي يعول عليه في عملية إصلاح العالم وبالتالي لا أهمية للعمل والحراك طالما أن عملية التغيير مرتبطة بالمنقذ والمصلح، فيكون فريسة اليأس والقنوط الذي يسببه ما يرونه من انحراف وظلم وفساد في أكثر جوانب الحياة، فكأن هذه الفكرة توحي للناس أن لا يعملوا بل يتركوا كل شي للمنقذ والمصلح فهو كفيل بكل شيء، كما أنها توحي أيضا بتكريس اليأس عن أي عمل إيجابي قبل ظهوره تجاه الظلم والجور طالما أن الله تعالى قد قدّر لأن تملئ الأرض ظلما وجورا ثم عدلا وقسطا، ففي كلتا الحالتين تكون البشرية أمام قدرين إلهيين لا يمتلك البشر أمامهما أية حيلة.
وكما قلنا سابقا أن الإيمان بفكرة الإمام المنتظر هي فكرة نابعة من الفطرة الإنسانية ومنسجمة معها، دافعة نحو الأمل بوجود من يستنهض الأمة بل الإنسانية ويعم في حكومته العدل والقسط والأمن والأمان والسلم والسعادة والوئام، بعد القضاء على مظاهر الظلم والطغيان والفساد والانحراف التي سيطرت على البشرية طوال قرون.
فمن خلال حتمية ظهور المصلح العالمي في الفكر الإنساني عموما والفكر الإسلامي على وجه الخصوص، يتبين لنا -وكما قلنا سابقا- أنها فكرة نابعة من الفطرة الإنسانية، ليست متعارضة معها، بل من صميمها، لما نراه من اتفاق بين أكثر أهل الأرض، وهي تبعث على الأمل والتفاؤل على أن الحاكمية المطلقة بعد ذلك لابد أن تكون للعدل والحق الذي يسود البشرية.
يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر في بحثه حول المهدي المنتظر (عجل):"ليس المهدي تجسيدا لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهام فطري، أدرك الناس من خلاله -على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب- أن للإنسانية يوما موعودا على الأرض، تحقق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مر التاريخ استقرارها وطمأنينتها، بعد عناء طويل. بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينيا بالغيب، بل امتد إلى غيرهم أيضا وانعكس حتى على أشد الإيديولوجيات والاتجاهات العقائدية رفضا للغيب والغيبيات، كالمادية الجدلية التي فسرت التاريخ على أساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود، تصفى فيه كل تلك التناقضات ويسود فيه الوئام والسلام.
وهكذا نجد أن التجربة النفسية لهذا الشعور التي مارستها الإنسانية على مر الزمن، من أوسع التجارب النفسية وأكثرها عموما بين أفراد الإنسان. وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العام، ويؤكد أن الأرض في نهاية المطاف ستمتلئ قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا، يعطي لذلك الشعور قيمته الموضوعية ويحوله إلى إيمان حاسم بمستقبل المسيرة الإنسانية، وهذا الإيمان ليس مجرد مصدر للسلوة والعزاء فحسب، بل مصدر عطاء وقوة" [2].
مسيرة التاريخ البشري
هل أن البشرية تسير في منحدر خطير يؤدي إلى دمارها وهلاكها؟! أم أنها تسير بشكل تصاعدي في سلم الكمال نحو الخير والسعادة المرتقبة لها؟!
انقسمت الرؤية لمستقبل البشرية إلى ثلاث توجهات:
التوجه الأول: اعتقد بعض المفكرين أن الشر والفساد والتعاسة صفات لا تفارق الحياة البشرية، وذهبوا إلى أن الحياة لا قيمة لها على الإطلاق، وأفضل ما يستطيع أن يقوم به الإنسان هو أن يضع نهاية لهذه الحياة.
التوجه الثاني: يرى أن الحياة البشرية بتراء، وأن البشرية تحفر قبرها بيدها بفعل تطورها التكنولوجي وتقدمها في صنع وسائل التخريب والدمار، وهي على شفا السقوط والانهيار.
واستناداً إلى هذه النظرية، تواجه البشرية الفناء الآن وهي في ربيع عمرها، وعلى أبواب نضجها الثقافي.
وبملاحظة ما نراه من بعض الشواهد الظاهرية لا يمكن نفي هذا الاحتمال، حيث أن البشرية تتسابق بشكل محموم لإنتاج أسلحة الدمار الشامل وتطويرها، وكذلك أيضا ما يعكسه التقدم التكنولوجي من المسارعة في تلويث أجواء البيئة التي تنعكس سلبا على البشرية.
أما النظرية الثالثة فترفض المقولتين السابقتين، فلا الشر والفساد والتعاسة صفات تلازم البشرية ولا التطور المدني المادي بقادر على إبادة البشرية، بل أن البشرية تتجه نحو مستقبل مشرق سعيد تنقلع فيه جذور الظلم والفساد.
هذه النظرية يبشر بها الدين، ونهضة المهدي ترتبط بهذه البشرى،  كما دلت عليه الروايات المتضافرة عن النبي الأكرم (ص) والأئمة الهداة (ع)، والتي يستفاد من بعضها أن البشرية تسير في خطى نحو التكامل الإنساني والفكري والثقافي والاقتصادي والسياسي والتربوي والمعيشي والزراعي، كما أنها تدل أيضا على تبدل الخوف وعدم الأمن والاستقرار والبطالة إلى أمن وأمان واطمئنان، ويرفل الجميع في حياة هانئة مستقرة تتوفر فيها كل سبل العيش الرغيد، فلا يكون هناك محتاج ولا فقير.
يقول أمير المؤمنين (ع):"ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد، واصطلحت السباع والبهائم، حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام، لا تضع قدميها إلا على النبات، وعلى رأسها زنبيلها لا يهيجها سبع ولا تخافه" [4].
السير نحو التكامل
لا يمكن تغافل وتجاهل حالات الانحراف والانحدار والظلم والطغيان التي تسود البشرية، وأيضا لا يمكن تجاهل ما يحدث في المجتمعات البشرية والتي تنتابها الكثير من المشاكل والانحرافات الأخلاقية وعدم الألفة ووجود الشحناء والبغضاء والتفكك والتشتت فيها.
كما أن التطور التكنولوجي والمادي انعكس بشكل سلبي ولو بنسب متفاوتة على الوضع الإنساني العام، لذلك توغل البشر في الماديات والابتعاد عن الجوانب الأخلاقية والدينية وبات عدم الاهتمام بالجانب الديني والتربوي والأخلاقي والاجتماعي سمة قد تكون بارزة من خلال استقراء ما يحدث في مختلف المجتمعات.
وبسبب الابتعاد عن القيم الإنسانية والمبادئ السماوية أصبح البعض من أبناء المجتمع يعيشون حالة الازدواجية وعدم المصداقية، فالبعد النظري شيء والبعد العملي والسلوكي شيء آخر، فمن حيث التنظير فأن الكل يمتلك أحدث النظريات في أكثر الجوانب، كما أنه يعلم –ادعاء- بقضايا الدين والشريعة، وأما من حيث التطبيق والسلوك فهم أبعد ما يكونون عن ذلك.
إن أخطر مشكلة تعيشها البشرية اليوم هي حالة الفراغ العقدي والخواء الروحي، والتي تسبب حالة الاضطراب والقلق والفوضى على المستوى الفكري والنفسي، والانحدار الأخلاقي الذي بلغته بعض مجتمعاتنا اليوم ما هو إلا نتيجة لهذه المشكلة التي تعيشها، فعالمنا يعيش بعض الاحباطات.
صحيح أنه قد برزت على السطح مظاهر فساد حديثة وجديدة على المجتمعات البشرية لم تكن موجودة في زمن سابق، كما هو الحال بالنسبة لمجتمعاتنا والتي لم تكن تعرف بعض تلك المظاهر التي باتت شبه يومية في حياتنا وبتنا نشرب ونأكل على سماعها، وأصبحت اللغة المسموعة هي لغة القوة والعنف، والقهر والظلم والاضطهاد كسمات ظاهرة، والتخبط الفكري، وتبدل المعايير الأخلاقية والاجتماعية لا يحتكم إليها، وزالت قيم العدالة والإنصاف، ولكن كل هذه المشاكل التي تعصف بالمجتمعات ما هي إلا من صنع يد البشر وهي حالة غير دائمة، خاضعة للسنن الإلهية والكونية الحاكمة على الحياة البشرية، لذلك يقول تعالى:{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [5].
فمع وجود الإرادة الجادة مع بشائر الأمل بالانتظار والتي تدفع للتفاؤل تزول المحن والمشاكل وتتبدل حياة البشرية سعادة ورخاء، ونهاية المطاف أن الانتصار والسيادة للحق، يقول تعالى:{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[6].
فالإنسان وعجلة التاريخ البشري تسير بخطى نحو عملية النضج الفكري والتكامل في القيمة الإنسانية ليصل إلى الإنسان المثالي والذي تنعدم معه (الأنا) التي هي أس دمار الأفراد والمجتمعات والأمم، بالرغم مما نشاهده من انحلال أخلاقي وفساد وظلم وطغيان وحروب طاحنة تهلك الحرث والنسل.
من ينتظر من؟!
قد يكون تساؤلا غريبا خصوصا مع وجود الفكرة العالمية التي تأصلت في الوجدان الإنساني بأن العالم بأسره ينتظر المصلح والمنقذ الذي يخلصها من مشاكلها وفتنها ويستنقذها من الظلم والجور الذي حل بها من ممارسة الطغاة والظالمين، ويأخذ بيدها نحو العفة والأخلاق الحسنة الفاضلة، ولكنه سؤال وجيه ومهم وفي غاية الدقة.
وللإجابة على هذا التساؤل الذي ربما يراه البعض غريبا، نضرب مثالا:
لو أن شخصا مسؤولا سمع بأحد يدعي أنه يمتلك قدرة وكفاءة على مساعدته ومساندته في أمر ما، فإنه سوف ينتظر لقاء تلك  الشخصية ليرى صدق ادعائه، فيريد أن يراه كما تخيله وتوقعه، وأن يكون عند حسن ظنه، وكذلك بالنسبة للشخص المدعي لتلك الكفاءة، فإنه يفترض به أن يهيأ نفسه لتلك المقابلة ليبرهن على صدق ادعائه، فيلبس اللباس اللائق لها ويهيأ نفسه فكريا ونفسيا مع أخذه جميع ما يرتبط به من مؤهلات، فإن رآه بمظهر لائق ويمتلك الآليات وجميع المؤهلات التي ينتظرها منه، فعند ذلك يرحب به أحسن ترحيب ويستقبله وينيط به مهمته ومسؤوليته، أما إذا دخل عليه السكرتير -مثلا- وأخبره بأن فلانا الذي تنتظره جاء بمظهر غير حسن وغير لائق وأنه لا يمتلك المؤهلات التي ادعاها وكما سمعنا بها، وصفاته غير حسنه، فعند ذلك سيرفض مقابلته من أول الأمر ولن يقبل برؤيته إطلاقا لعدم كونه عند حسن ظنه.
وهذا التشبيه ينطبق تماما على من ينتظر الإمام المهدي (عجل) فالبشر تدعي الانتظار لظهوره والتشرف برؤيته ليخلصها من معاناتها فيملئ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، ينتشلها من الشقاء للسعادة، ومن حالة الحرب والخوف والعداء للسلم والأمن والاطمئنان، مدعية توفر تلك الصفات التي تؤهلها للتعجيل بظهوره والتشرف برؤيته ولقائه وأن يكونوا من أعوانه وأنصاره والمجاهدين بين يديه وتحت لوائه.
نعود للتساؤل السابق: من ينتظر من؟! في محاولة للإجابة عليه، فهل حقا نحن ننتظر الإمام المهدي (عجل) أم أنه ينتظرنا؟!
ورد في كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي أن كتابا ورد من الناحية المقدسة على الشيخ المفيد نقتطف محل الشاهد منه:"ولو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا. ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلم" [7].
من خلال الظاهر من هذا النص المتقدم يمكن أن نستنتج أمورا مهمة متعلقة بعملية الظهور والخروج التي نترقبها وندعوا لها في كل يوم ولحظة، تلك الأمور نراها في غاية الخطورة مع أهميتها البالغة، ولا يتحقق الظهور إلا من خلالها، وذلك لا يعني أنها الوحيدة التي تحجبنا عن رؤيته وظهوره بالطبع، فإنه قد تقدم أن هناك بعض الأسباب التي تمنع وتؤخر ظهوره، كما أن هناك بعض الأسباب الأخرى في علم الله تعالى لا نعلمها، استأثر الله تعالى بها في علمه الخاص الذي لم يظهر عليه أحد.
أولا: عدم التآلف واجتماع القلوب
من الأمور المهمة لتحقيق وجود المجتمع المؤمن هو أن تسود الألفة والمحبة والتآخي في صفوفه وبين أبنائه، فالمجتمع الذي يكون خاليا من هذه الصفات يكون عرضة التمزق والتشتت، تكثر فيه المشاحنات والأحقاد، مما يوهنه ويضعفه ويمزقه شر تمزيق، مما يؤدي إلى فقدان الثقة بين أبنائه، ويعيش الجميع حالة الاضطراب والقلق المستمر وعدم الاطمئنان والراحة.
كما أننا نرى استشراء الظلم والجور بيننا، فليس المقصود من الظلم والجور في الروايات هو ظلم وجور وطغيان السياسات، وإنما أيضا ظلم أبناء المجتمع لبعضهم بعضا، بغياب الإنصاف والمواساة والتآخي، وحلول الحقد والكره والبغضاء، والفساد بأنواعه، وتناول من يختلف معه بكل الصفات السيئة، ومصادرة رأيه والحكم عليه بالمروق عن الدين إلى غير ذلك من التهم التي تلقى جزافا، وأقصى ما يراد منها تمزيق المجتمعات وإلقائهم في أتون الفتن والفوضى.
ثانيا: أعمالنا ليست مرضية
سيرة الإنسان دليل صدقه ومصداقيته، وإلا فمجرد الدعوى لا قيمة لها بدون دليل إثبات لتلك الدعوى.
يقول الشاعر:
وكل يدعي وصلا بليلى
وليلى لا تقر لهم بذاك
إذا انبجست دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى.
إن دعوى الانتظار والترقب لظهور المصلح المهدي (عجل) تحتاج لدليل وبرهان، والبرهان الحقيقي لا يكون إلا من خلال اقتران الإيمان بالعمل والسلوك والأخلاق الحسنة، فإذا فقدت كل هذه العناصر، فإن المصداقية تكون مفقودة.
إن أعمالنا تعرض على صاحب الأمر فينظر فيها، فإن كانت حسنة جميلة أدخلت على قلبه السرور، وإن كانت سيئة قبيحة أحزنه ذلك، فإذا وصلنا إلى حقيقة تساوي حضوره وغيابه بالنسبة إلينا فعند ذلك ننتظر منه إطلالة -كما وعدنا بها- تزيح عنا كل هذا الظلم والجور الذي وقع علينا، وتنعم البشرية بالخير الذي يصاحبه في عملية الظهور.
وأقصد بتساوي حضوره وغيابه، أي أن نتصرف في حالة الغياب كما لو كنا نتصرف أمامه في حالة الحضور، فبالطبع لو كنا بين يدي الإمام بشكل مباشر فإننا سنحسن الأدب أمامه ونحاول جاهدين أن لا نشوه صفحتنا بأي شائبة كانت صغيرة أو كبيرة، فأحد أهم أسباب تأخير ظهوره هو أعمالنا وذنوبنا التي تصله منا.
جوانب كثيرة في حياتنا وسلوكنا وفكرنا تحتاج منا لمراجعة وتدقيق وتصحيح، لأن الانتظار في واقعه بناء حركي ملتزم بمبادئ وقيم أخلاقية ودينية، لا مجرد سكون ذا طابع جامد يعتمد الانتظار بمعناه السلبي وهو عدم إمكانية عمل أي شيء إيجابي طالما أن الحياة البشرية تسير نحو الهاوية والسقوط والانحلال، واستفحال الباطل.
وإذا كان الانتظار بناء حركيا وثورة على الذات والواقع الفاسد فلابد من العمل وفق هذا المبدأ في محاولة إيجاد المصداقية الفردية والاجتماعية.
إن المتأمل لواقعنا يستشعر أن الإمام (عجل) هو من ينتظر ولسنا نحن من ننتظره، خصوصا على ضوء النص المتقدم الصادر منه.
فالبشر وخصوصا المؤمنون يحتاجون إلى:
أولا: تعميق الإيمان بالإمام (عجل)، وأن نرسخه في ذواتنا وفكرنا وأنفسنا ووجدانا ترسيخا عميقا، لنقاوم حالات الاضطراب والضعف أمام تحديات الحياة ومشاكلها.
ثانيا: تربية أنفسنا وفق المعايير والضوابط والقيم والمبادئ الإسلامية الأصيلة، على الصعيد المعرفي والفكري والثقافي والأخلاقي والسلوكي والتربوي والروحي والاجتماعي، لإيجاد المصداقية.
ثالثا: التعامل بشكل حضاري مع الاختلافات في وجهات النظر، وأن تكون القيم الأخلاقية حاضرة دائما عند الاختلاف، ورفض ومحاربة كل فكرة أو تحرك يهدف زعزعة أمن واستقرار المجتمع، وإدخاله في نزاعات تنعكس آثارها سلباً على ألفة وتجانس وانسجام أبناء المجتمع، فتقوض بناءه وتهدم كيانه.
رابعا: التخلص من أدران الحقد والبغضاء وأن تصفوا القلوب وتخلص لله تعالى.
خامسا: إيقاظ الحس الديني والاجتماعي في أنفسنا، وأن نتحمل مسؤوليتنا تجاه ذلك، وأن نحارب مظاهر الفساد في أنفسنا وفي مجتمعاتنا.

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا.
-----------------------------
[1]يمكن مراجعة كتاب المهدي الموعود ودفع الشبهات عنه. للسيد عبد الرضا الشهرستاني.
[2]الشهيد السيد محمد باقر الصدر. بحث حول المهدي.
[3]المطهري:الشيخ  مرتضى. نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ.
[4]بحار الأنوار. العلامة المجلسي. ج52، ص316.
[5]الرعد/11.
[6]الأنبياء/105.
[7]الاحتجاج. الشيخ الطبرسي. ج2، ص257. الطبعة الأولى، 1425هـ.-2004م. مؤسسة التريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت-لبنان.
----------------------------
كلمة الجمعة بتاريخ 11 شعبان 1431هـ. الموافق 23 يونيو 2010م.

من نفحات العصمة
إِذَا
حُيِّيْتَ بِتَحِيَّةٍ فَحَيِّ بِأَحْسَنَ مِنْهَا، وَإِذَا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فَكَافِئْهَا بِمَا يُرْبِي عَلَيْهَا، وَالْفَضْلُ مَعَ ذلِكَ لِلْبَادِىءِ. الإمام علي (ع)
صورة عشوائية
تكريم