سماحة الشيخ يدعو لقراءة سيرة الإمام الصادق (ع) في الشأن الاجتماعي      الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين                                   
{right_ad}
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 4
زوار الموقع 711820

كلمات الجمعة
الإمام علي (ع) وهموم الأمة
الشيخ صادق الرواغة | 2010-07-01| قراءات [2908]

أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام صاحب العصر والزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. والعلماء والأعلام والأمة الإسلامية. وأبارك لكم هذه المناسبة العظيمة، ذكرى ولادة وليد الكعبة سيدنا ومولانا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
مرت وتمر في طول التاريخ البشري شخصيات قد لعبت دورا مهما في تغيير مجريات الأحداث، سواء أكان على المستوى الإيجابي أم على المستوى السلبي.
فبعضهم قد خلد باللعن، وبعضهم قد خلد بالذكر الجميل الحسن.
وهؤلاء هم من صنع التاريخ ولم يصنعهم التاريخ، فرضوا أنفسهم عليه فانصاع لهم.
والسؤال هو: كيف يكون الإنسان مخلدا بالذكر الحسن الجميل؟
هناك ثلاثة أبعاد مهمة بها تخلد تلك الشخصية:
البعد الأول: القاعدة التي تنطلق منها تلك الشخصية.
مقدار ما تشكله تلك الشخصية من ارتباط بالسماء، فحركة تلك الشخصية التي تعتمد رسالة السماء نهجا ومسلكا، هي التي تبقى وتخلد، لأصالة نهجها، فإن كل اتصال بالسماء يعني الخلود والاستمرار، عطاء وبقاء، مهما توالت الليالي والأيام والدهور.
  إن تأسيس أبعاد بناء تلك الشخصية على قاعدة الدين والمبادئ والقيم والمفاهيم السماوية كفيل لبقاء وخلود الحركة سواء أكان على المستوى الشخصي أم الجماعي.
يقول تعالى:{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [1].
ويقول أيضا في سورة العنكبوت:{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [2].
البعد الثاني: الأهداف والغايات
إن أي حركة إذا كانت تسعى من أجل تحقيق مصالح دنيوية أو سياسية، أو كان تحركها بدافع مطامع شخصية، فهذه الحركة تمحى من ذاكرة الخلود، وتنتهي بانتهاء زمانها وقادتها، وتكون حبيسة الزمان والمكان، فلا إشعاع لها خارج الذات، ولا يستفاد منها خارج محطيها.
بينما نرى تحرك الإمام (ع) كان أوسع من الظرف الذي كان يعيش ضمنه، كانت همومه تتعدى الزمان والمكان فـ"لم يكن الإمام يتحرك ضمن دائرة الظرف الراهن فقط، بل كانت حركته تنطلق من دائرة أوسع بكثير من دائرة المواقع المعاصرة له. فعلي (ع) باعتباره إمام فهو لم يكن لعصر معين بل كان لكل العصور، فكان يتحرك في أفق الحاضر والمستقبل معا، وكان يريد أن يسجل بحركته كلمة الإسلام في كل خطوة وفي كل موقف لتأتي الأجيال من بعده فتسلك خطاه وتقتدي به، وهذا يختلف عندما ينظر إلى الإمام باعتباره حاكما، فالذين تناولوه خطأوا الكثير من مواقفه أثناء الحكم" [3].
البعد الثالث: الحياة خارج إطار الذات.
الكثير يعيش لأجل نفسه، ولا يهتم بالآخرين ولا بشؤونهم، فتراهم يعيشون ويموتون بدون أن يتركوا بصمة في تاريخ المجتمعات الإنسانية، وذلك لأنهم كانوا حبيسي الذات والأنا، أما حينما يعيش الإنسان خارج إطار الذات، بأن يفكر وينشغل بشؤون الآخرين من أبناء مجتمعه ويمتد اهتمامه ليشمل هموم الأمة، فإن مثل هذا يفرض نفسه على التاريخ، بل هو من يكتب التاريخ ويؤثر في مساره.
يقول الإمام علي (ع):"ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا الغز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في قرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى، أو أكون كما قال القائل:
وحسبك داء أن تبيت ببطنة..... وحولك أكباد تحن إلى القد.
أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش" [4].
ويقول:"هذا أخو غامد قد بلغت خيله الأنبار وقتل حسان بن حسان البكري وأزال خليكم عن مسالحها وقتل منكم رجالا صالحين.. وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المؤمنة والأخرى المعاهدة فينزع حجلها ورعاثها ثم انصرفوا وافرين ما نال منهم كلم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما بل كان به عندي جديرا" [5].
لقد كان تحرك الإمام وسكونه من أجل هموم الناس وما يشغلهم، فها هو يقول:
"أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفظة عنز" [6].
ولقد انتهج أمير المؤمنين (ع)عدة مبادئ اعتمد عليها في إدارة شؤون الدولة، وبذل جهده لأجل تكريسها في وسط الأمة، منطلقا من صميم مبادئ الدين وقيمه.
المبدأ الأول والثاني: العدل والمساواة
جاءت الخلافة إلى أمير المؤمنين (ع) في ظروف صعبة وحرجة للغاية، حيث الواقع الاجتماعي مليء بالتراكمات الثقيلة من تفشي الطبقية والتمييز على أساس قبلي أو قومي، فأغرق شريحة واسعة من أبناء الأمة في مستنقع الفقر والحاجة والمسكنة، إذ أن الثروة باتت من نصيب بعض الخواص الذين استولوا على مساحة واسعة من الأراضي والأموال،
وأمام هذه الطبقية والتمييز اجتهد الإمام (ع) في إرجاع ممتلكات الدولة لبيت مال المسلمين، فصادر الأموال التي استولى عليها البعض من خلال الهبات والأعطيات والمنح.
إن أول مبدأ أعلنه الإمام (ع) أمام من جاء لمبايعته هو مبدأ المساواة، وأن ليس هناك فضل لأحد على أحد في مقدار الاستفادة من أموال بيت مال المسلمين، كما أن هذه المساواة نلحظها كذلك ليس في البعد المادي فقط، وإنما في سائر شؤون الحياة كالجانب الاجتماعي، كما أنه لم يميز أسرته على أحد من المسلمين وإنما عاملهم كما يعامل سائر الناس.
فعندما جاء إليه المسلمون ليبايعونه جاء فصعد المنبر فاجتمع الناس إليه فقال:"إني قد كنت كارها لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم إلا وأنه ليس لي أمر دونكم إلا أن مفاتيح مالكم معي ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم رضيتم قالوا نعم قال اللهم اشهد عليهم ثم بايعهم على ذلك" [7].
هكذا أعلنها صريحة لعلمه أن الجانب المالي وتوزيع الثروة هي من أهم المشاكل التي تعصف بالأمة.
وفي تعامله مع أفراد أسرته، ها هو (ع) يقول:"والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا وكرر علي القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقا طريقتي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه؟ أتئن من الأذى ولا أئن من لظى" [8].
هكذا كان يتعامل مع أهل بيته فلا يميزهم عن غيرهم أبدا حتى في حاجتهم للمال، فعليهم أن ينتظروا عطاءهم كغيرهم من سائر المسلمين.
ولم يكن لأمير المؤمنين (ع) في بيت المال أي استثناءات حتى بالنسبة لشؤونه، يرى نفسه واحدا من المسلمين ليس له فوق عطائهم شيئا إلا نصيبه من بيت المال أسوة بهم، بل ربما ضيق على نفسه لأجل أصحاب المسكنة والفقراء منهم.
فها هو يقول معلنا أن حاله كحال غيره من سائر الفقراء الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئا:"ولقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها" [9].
لقد أشاع الإمام علي (ع) مبدأ العدل الاجتماعي وجسده خير تجسيد، و"منح المنهج الإسلامي فرصة في البناء والتغيير على شتى الأصعدة، فدشن (ع) خططه الإصلاحية، بإلغاء السياسة المالية والاجتماعية والإدارية التي كان معمولا بها ليوفر الجو المناسب لتطبيق المخطط الإسلامي في العدالة الاجتماعية" [10].
وكان (ع) كثيرا ما يوصي ولاته ويشدد على مبدأ العدل في الرعية، فيقول في عهده لمالك الأشتر حين ولاه مصر:"أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إن لا تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب" [11].
ويقول في موضع آخر تجسيدا لمظهر العدل فيما يرتبط بالمحسن والمسيء وضرورة إنصاف الحاكم بينهما:"لا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه" [12].
ومرة يدخل عليه عمرو بن العاص في زيارة خاصة لبعض شؤونه ليلة وهو في بيت المال يتولى بعض شؤون المسلمين، فأطفأ الإمام (ع) السراج وجلس في ضوء القمر [13].
فالعدالة تصنع الأجواء المناسبة لتربية الأمة وتعويدها على فعل الخير، وتشجع المحسن على مواصلة إحسانه عندما يرى من يؤدي إليه شكر صنيعه، كما أن مساواة المحسن والمسيء تشجع المسيء على استمراره في الخطأ والإساءة لعدم التفريق بينه وبين من هو أفضل منه حالا.
المبدأ الثاني: الحرية.
الحرية لها معنى واسع، ضيقه قوم فسلبوها معناها، ووسعه آخرون فأفقدوها ضوابطها.
والإسلام يعطي لها معنى مناسب بين الاتجاهين، فهي ليست مطلقه كما أنها ليست مقيدة لحد فقدان المعنى.
والإمام أمير المؤمنين (ع) قد أتاح لكل أحد أن يمارس حريته العبادية والفكرية، فلم يمارس على أحد الجبر والإكراه، بل فتح الباب واسعا أمام من يختلف معه حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يبايعوه لم يأخذ من أحد منهم البيعة قهرا باعتباره الحاكم والخليفة المنتخب بالمقاييس الشرعية حيث أن الأمة هي من انتخبته، فقد تخلف عن بيعته بعض الصحابة كابن عمر ومروان وغيرهما، وكذلك لم يتخذ موقفا عدائيا ضد من عارضه من الخوارج وغيرهم، والذين كانوا يعبرون عن آرائهم بكل حرية.
وقد يقال أن جو الحرية والمساحة التي أعطاها الإمام علي (ع) لرعيته قد أفرزت معارضة الخوارج له، وهذا من الأمور الطبيعية التي تنشأ في أجواء الحرية حيث يسمح للفرد أن يفكر ويتكلم بحرية تامة بدون خوف أو وجل.
وينقل التاريخ لنا هذه الحادثة حيث:"أتاه رجلان من الخوارج زرعة بن البرج الطائي وحرقوص ابن زهير السعدي فدخلا عليه فقالا له لا حكم إلا لله فقال علي لا حكم إلا لله فقال له حرقوص تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا فقال لهم على قد أردتكم على ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابا وشرطنا شروطا وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا وقد قال الله عز وجل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} فقال له حرقوص ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه فقال علي ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأي وضعف من الفعل وقد تقدمت إليكم فيما كان منه ونهيتكم عنه فقال له زرعة بن البرج أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل قاتلتك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه فقال له علي بؤسا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفى عليك الريح قال وددت أن قد كان ذلك فقال له علي لو كنت محقا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا إن الشيطان قد استهواكم فاتقوا الله عز وجل إنه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها فخرجا من عنده يحكمان.. فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر ويقول: حكم الله ننتظر فيكم. ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا" [14].
هكذا كان(ع) لم يمارس الإكراه في تبني الآراء، ولم يلجم أحدا عن إبداء رأيه والبوح به، ولم يكره أحدا على عبادته وعقيدته ولم يفرض على أحد أي رأي ومسلك.
المبدأ الثالث: التفقد والتعاهد.
إن من خصال الحاكم تفقد رعيته ومتابعة شؤونهم وتعاهدهم بما يصلح شأنهم وعدم إغفالهم وتجاهلهم، خصوصا أصحاب الحاجات والفقراء واليتامى والضعفاء.
يقول (ع) في عهده لمالك الأشتر:"وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه".
إن الإمام (ع) يرى أن تفقد أحوال الرعية واجبا عليه كحاكم وثقت به رعيته واختارته عليها، إلا أن تفقد أحوالهم يعكس جانبا إيجابيا في الأمة، وهو استشعار أبناء الأمة لها التفقد مما يعطي شعورا بالانتماء الحقيقي، وأن لهم أهميتهم كما للخاصة كذلك، فيدفعهم للعطاء والبذل في سبيل تحقيق التآلف والانسجام بين مختلف الطبقات، وبينهم وبين الحاكم، فنرى الإمام (ع) يهتم حتى بصغائر الأمور وجزئياتها، فكم من قصة تروى في هذا الجانب تعطي تصورا راعيا عن هذه الشخصية التي عاشت هموم أمتها.
"في يوم رجع علي إلى داره في وقت القيظ فإذا امرأة قائمة تقول:
إن زوجي ظلمني وأخافني وتعدى علي وحلف ليضربني.
فقال: يا أمة الله اصبري حتى يبرد النهار ثم أذهب معك إن شاء الله.
فقالت: يشتد غضبه علي.
فطأطأ رأسه ثم رفعه وهو يقول: لا والله أو يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع. أين منزل؟
فمضى إلى بابه فوقف فقال: السلام عليكم.
فخرج شاب فقال له: يا عبد الله اتق الله فإنك قد أخفتها وأخرجتها.
فقال: وما أنت وذاك والله لأحرقنها لكلامك.
فقال الإمام: آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر تستقبلني بالمنكر وتنكر المعروف.
فأقبل الناس يسلمون على علي بالإمرة. فسقط الرجل في يديه وقال: أقلني عثرتي فوالله لأكونن لها أرضا تطأني" [15].
المبدأ الرابع: الرفق بالرعية.
لم يغفل الإمام علي (ع) أي قطاع من قطاعات الأمة، فقد تعاهدها جميعا برعاية شؤونها والرفق بها، ولم يحمّل أحدا فوق طاقته وإمكاناته.
فالرفق من العوامل المساعدة على هدوء النفس وميلها وحبها للحاكم، أما إذا كانت هناك أعباء ترهق كاهل أبناء الأمة فإنها عند ذلك تتذمر من الضغوطات التي تمر بها.
لذلك كانت سياسة الإمام (ع) الرفق برعيته، وقد كان يوصي ولاته بأن يترفقوا برعيتهم في كل شأن من شؤونهم الحياتية والمعيشية.
"ومرة رآه سعيد بن قيس الهمداني في شدة الحر في فناء حائط. فقال له: بهذه الساعة.
فقال: ما خرجت إلا لأعين مظلوما أو أغيث ملهوفا" [16].
هكذا عاش أمير المؤمنين (ع) هموم الأمة في أصعدتها المختلفة، ولم يكن متشاغلا عنها حتى في أحلك الظروف التي مرت عليها في سنوات الحكم حيث خاض حروبه: معركة الجمل وصفين والنهروان.
كما أن هناك تحديات داخلية كان عليه مواجهتها كالفقر، ومع ذلك فها هو يقول:"ولعل الحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع"، فأي حاكم هذا الذي يجعل همه أقصى البلاد التي يحكمها، يخاف أن يكون هناك من لا يجد قوت يومه، أو من يبيت جائعا محتاجا؟!
فنحن بحاجة إلى:
قراءة علي (ع) قراءة واعية فاحصة.
أن نسعى من أجل استحضار القيم والمبادئ التي جسدها.
التعامل معه كقائد باعتبار أنه يمثل البعد الحضاري للأمة.
---------------------

[1]التوبة/109.
[2] العنكبوت/41.
[3] القزويني: د. محسن باقر. علي بن أبي طالب رجل المعارضة والدولة. ص248. الطبعة الأولى 1425هـ.، 2004. دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع. بيروت-لبنان.
[4] العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج33، ص474.
[5] العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج34، ص64.
[6] العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج29، ص499.
[7] تاريخ الطبري: ج3، ص451. مكتبة أهل البيت (ع).
[8] العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج41، ص162.
[9] العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج40، ص346.
[10] عثمان محمد: عبد الزهراء. سيرة أمير المؤمنين (ع)،ص166. الطبعة الأولى 1414هـ. 1993م.  مؤسسة الفكر الإسلامي للثقافة والإعلام. بيروت-لبنان.
[11] العلامة المجلسي. بحار الأنوار، ج33، ص601.
[12] المصدر السابق.
[13] المناقب، ص377.
[14] تاريخ الطبري. ج4، ص52. مكتبة أهل البيت (ع).

[15]  مناقب آل أبي طالب. ابن شهراشوب، ج1، ص374
[16] الاختصاص الشيخ المفيد. ص157..

---------------------

كلمة الجمعة بتاريخ13 رجب 1431هـ. الموافق 25 يونيو 2010م.

من نفحات العصمة
نِعْمَ
الطِّيبُ الْمِسْكُ، خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ، عَطِرٌ رِيحُهُ.الإمام علي (ع)
صورة عشوائية
تكريم