سماحة الشيخ يدعو لقراءة سيرة الإمام الصادق (ع) في الشأن الاجتماعي      الإيجابية في زمن الانتظار      عوامل النهوض والرقي الاجتماعي      دور الإمام السجاد عليه السلام في تربية الأمة      الزهراء أنموذج الاقتداء      السيدة زينب عليها السلام الشخصية الملهمة      شكر وتقدير      طلب الدعاء      كيف نبايع صاحب العصر (عجل)      تسمية الأبناء      سحب الدم في نهار شهر رمضان      سن بلوغ الأولاد      أنسنة السلوك تجاه تنوع العمل الاجتماعي      مَنْ ينتظرُ مَنْ؟!      بين عيوب النفس وعيوب الآخرين                                   
{right_ad}
قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 6
زوار الموقع 711832

متابعات
حوار أجرته منتديات فكرة مع سماحة الشيخ حول مشاكل الأسرة والطريق لعلاجها
| 2009-10-19| قراءات [2779]

بسم الله الرحمن الرحيم

نص الحوار الذي أجرته شبكة فكرة مع سماحة الشيخ الرواغة بتاريخ، 10 رجب 1426هـ. الموافق 15 أغسطس 2005م. حول مشاكل الأسرة والطريق لعلاجها.

pics/1254498445.jpg

 

هناك ظاهرة للأسف بدأت تنتشر في مجتمعنا الخليجي الذي يتصف بمحافظته على التقاليد والعادات، واحترام الكبير وتقديره، ولكن انتشار بما يسمى «دار العجزة» هو خروج عن هذه التقاليد وظاهرة غير صحية تدل عن وجود خلل بالمجتمع.... وعقوق واضح من قبل الأبناء لآبائهم فكانت هذه الوقفة..

للوقوف على هذه الظاهرة من الناحية الدينية والاجتماعية، يسعدنا من خلال هذا اللقاء أن نستضيف سماحة الشيخ صادق الرواغه، ليجيب عن تساؤلاتنا بهذا الخصوص..

   نص الحوار:

• سماحة الشيخ، كيف ينظر الدين لظاهرة إرسال الأبناء آباءهم إلى دار العجزة؟

- بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. انتشار هذه الدور يختلف من مجتمع لآخر، فربما تكون كثيرة جدا في مجتمع، وربما لا تكون كذلك في مجتمع آخر، وقد يكون وجودها ضرورة في حال انعدام المسؤول عن المسن أو العاجز كما لو كان وحيدا مثلا، أو حالته تستدعي إرساله لمثل هذه الدور، أما حينما لا يوجد هناك داعٍ أو ضرورة فعندها يكون مثل هذا العمل عقوقا صارخا ففي قوله تعالى:﴿ ولا تقل لهما أف..  فكلمة (أف) على صغرها لكنها تعد عقوقا، فقد روي عن الإمام الرضا : «لو وجد الله كلمة أصغر من أف لأتى بها» فإذا كانت مجرد كلمة تبرم تقال للأبوين حرام، فبالفحوى يكون الأشد منها محرما، قولا كان ذلك أم سلوكا، كالتخلي عن الآباء وبعثهم لدور وملاجئ العجزة، والكثير منهم في قوته البدنية والعقلية.

إن ذلك ليس من البر أبدا، بل هو نوع من العقوق، وفقدان الإنسانية، وليس هكذا يرد الجميل لهما، على ما قدماه للأبناء وبذلوا الغالي والنفيس من أجلهم.

• وهل توفير الدولة لهذه الدور شجع لانتشار هذه الظاهرة؟

- أصبحت الملاجئ اليوم أمرا واقعا لا يمكن تجاهله، ولكن علينا أن نفكر ألف مرة قبل إرسال الوالد أو الوالدة إلى تلك الدور، فإنه وكما تكون كلمة أف عقوقا فإن مثل هذا العمل يعد عقوقا أيضا بل أشد أنواع العقوق، وفي نظري ليس توفير هذه المرافق هي المشكلة في انتشار هذه الظاهرة، وإنما المشكلة هي في الأسباب التي تؤدي إلى إرسال العاجز أو المسن إلى هذه الدور، فإن كان هناك داع وضرورة ملحة فعندها يكون معذورا، أما إذا تحولت إلى عامل تخلص من الآباء فهذه هي المصيبة الكبرى.

• وما مدى حاجة الآباء المسنين للبقاء مع أبنائهم وما هي الآثار المترتبة على ابتعادهم عن الأجواء العائلية؟

- يمر الإنسان في حياته بمختلف الأطوار والفترات الزمنية، ولكل فترة ومرحلة مشاكلها واحتياجاتها، وهنا لابد أن نفرق بين المسن القادر على تولي بعض شؤونه وبين العاجز الذي لا يمكنه القيام بأي نشاط.

والمسن الذي تجاوز الستين من العمر، كما في علم الاجتماع، ليس بالضرورة أن يكون عاجزا ومشلول اليد، بل يمكنه من القيام ببعض شؤونه، ويحتاج مع ذلك إلى نوع خاص من الرعاية والاهتمام، فإن الإنسان إذا بلغ به العمر مرحلة متقدمة، فإنه نشاطه يقل وحيويته تضمر، وبالتالي يحتاج للمساعدة والمعونة مع الرفق به، وهو يحتاج إلى الحياة ضمن الأجواء الاجتماعية والأسرية، كي يشعر بالاهتمام والعناية من أبناءه.

إن إرسال الآباء إلى دور العجزة والابتعاد عنهم ومقاطعتهم، يسارع في تكالب الأمراض النفسية وتحطيمه عاطفيا، مما يسارع في فناءه وموته..

• و ما هي الحالات المسموح فيها إرسال الآباء إلى دار العجزة؟

- يمكن إرسال العاجز كليا إلى مثل هذه الدور مع ملاحظة عدم توفر الإمكانيات للتعامل معه داخل البيت، ولكن مع ذلك لا يجوز مقاطعته، أو تجاهل وجوده، كما يفعل الكثير من الأبناء العاقين الذين يسارعون لمثل هذه التصرفات من دون تفكير في عواقبها، فإن من الذنوب التي يقتص منها في دار الدنيا ولا يؤجلها الله تعالى ليوم القيامة، هي عقوق الوالدين، وكما تدين تدان.

• وهل ممكن أن يساهم الآباء بهذا العقوق ويكون لهم دور فيه من خلال قسوتهم مع أبنائهم أو عدم تربيتهم تربيه صالحه أو حتى من خلال عقوقهم هم مع أبنائهم؟

- هناك عدة عوامل تصوغ شخصية الإنسان، قد تتداخل وقد تفترق:

• الأول: الوراثة، فهي أحد العوامل والركائز التي تساهم بشكل أو بآخر في تحديد الملامح العامة للشخصية. فكما تنتقل المورثات الجينية من الآباء والعمومة والأخوال وغيرهم، وترسم الشكل والهيكل الخارجي وتحدد ملامحه الظاهرية الملموسة، فكذلك الوراثة تلعب دورا بارزا في نقل بعض الصفات الأخلاقية والمعنوية للأبناء. روي عن الرسول الأكرم :«اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس» وقال أيضا:«اختاروا لنطفكم فإن الخال أحد الضجيعين».

• الثاني: البيئة والمحيط بما فيها من أنماط ثقافية وفكرية وأخلاقية وسلوكية، وعادات وتقاليد وأعراف. فإن في الإنسان بعدان:

- الأول: إمكانية التأثير على الآخرين.

- الثاني: قابلية التأثر بما حوله.

- الثالث: التربية، وكما يقول الرسول الأكرم :«كل مولود يولد على الفطرة، إلا أن أبواه ينصرانه أو يهودانه..» ويقول الإمام علي  يخاطب ولده الإمام الحسن :«بني: قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته» فالحدث صغير السن، يكون مهيأ لتلقي أي شكل و أي لون من ألوان التربية، وبالتالي يكون تشكيل ذلك القالب بيد الآباء والأمهات، فهم بدورهم يحددان رسم شخصية الأبناء والسلوك العام لهم.

• و ما هو دور التربية الصالحة على شخصية الأبناء؟

- للآباء دور خطير في تحديد السلوك العام لأبنائهم، من خلال التربية الصالحة، أو الطالحة، فقد ورد:«رحم الله من أعان ولده على بره..» وفي رواية:« لعن الله من أعان ولده على عقوقه أو العقوق». وورد عن الرسول :«يلزم الوالدين من عقوق الولد ما يلزم الولد لهما من العقوق».

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في ضمن هذا السياق، بعضها يرسم صورة لكيفية التعامل، وماذا نعلم الأبناء، وبعضها في تقسيم الأدوار والأطوار التي يمر بها كل واحد منا، لكي يتسنى لنا التعامل مع الأبناء بشكل أفضل وأحسن، ولكن المشكلة تكمن في أننا بعيدون كل البعد عن أساليب التربية الحديثة، فبالأمس لم تكن المغريات كثيرة ومتاحة كما هي اليوم، فلابد من تطوير آليات التربية والسعي من أجل تطوير قدراتنا وإمكانياتنا.

• وفي حالة عقوق الآباء لأبنائهم هل يكون ذلك عذر مقبول لعقوق الأبناء وإساءة معاملة آبائهم؟

- إن كون الأب أو الأم أو كليهما لم يحسنا تربية أبنائهم أو كانا عاقين لهم، فكل ذلك لا يعطي للأبناء مبررا للعقوق أبدا.

صحيح مع فرض أنه ملم يتلقوا التربية الصالحة من الآباء، فلا يعني ذلك أنهم يتهربون من مسؤوليتهم، بحجة أن آبائهم قد قصروا في حقهم، فعليهم أن لا يتهاونوا في البر بهم والإحسان إليه مهما كانت الظروف والأوضاع.. يقول الرسول :«إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين..».

• وإن كان الأب أو الأم خارج الملة أو ربما خارج ديننا الحنيف, ولم تفلح المحاولات لهدايتهم وكبروا في السن وهم على هذا الحال, هل يجوز للأبناء مقاطعة الوالدين لخروجهم عن الدين والملة؟ وهل مقاطعتهم تعتبر عقوقاً كذلك؟

- الاختلاف في الملة أو الدين أيضا لا يعطي مبررا للعقوق.. روي عن الإمام الصادق :«بر الوالدين واجب وإن كانا مشركين، ولا طاعة لهما في معصية الخالق». فنلاحظ من هذه الروايات لا يمكن تبرير العقوق بحال من الأحوال، فهي صريحة، وقد قال الله تعالى قبل ذلك: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  «8» سورة العنكبوت. فما على الولد إلا العشرة والمعاملة الحسنة معهما، وأن يحسن لهما.

• وما هو رأيكم بزواج الشاب وتركه لبيت الأسرة والسكن مستقلا وعدم سؤاله عن والديه ويكون تواصله معهم من اجل إعطاءهم المال فقط أليس في ذلك عقوق؟

- إن من المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا هي ضعف وترهل العلاقات الاجتماعية والأسرية، ولا ننكر وجود مثل هذه الشريحة التي تتعامل مع الآباء والأمهات بالجفاء والبعد جاعلين الحاجة –حاجة الآباء- لهم في بعدها المادي. فكم يؤثر هذا على نفسية الآباء حين يرون التنكر لهم من أبناءهم وفلذات أكبادهم، الذين سهروا من أجلهم، وأعطوا من وقتهم وصحتهم من أجل أن يرون أبناءهم أصحاء أسوياء.

أصبح بعد وسكن الأبناء واقعا ربما لا يمكن التهرب منه، بسبب كبر العائلات وصغر المأوى والسكن، من جانب، ومن جانب آخر بسبب الاستقلال والعيش ضمن بيت يكون فيه هو السيد والآمر الناهي وكذلك أن الفتيات لا يرغبن كثيرا في السكن ضمن بيت أسرة الزوج، وهذا ربما لا يشكل مشكلة بحد ذاته، ولكن المشكلة تكمن في عدم اهتمام الأبناء بآبائهم و تجاهلهم وقطع الرحم بمواصلة زيارتهم دائما ورعايتهم وتفقد أحوالهم.

وفي تقديري أن بقاء الآباء ضمن المجتمع يمارسون فيه حياتهم بشكل طبيعي، وإن كان أبناءهم بمنأى عنهم، أفضل وأحسن من العزلة الاجتماعية التي يضربها بعض الأبناء على آباءهم بإرسالهم لدور المسنين، فإن العزلة الاجتماعية تسبب أمراضا نفسية للمسن مما يسارع في فواته وموته، حيث أنه سيشعر بعدم أهميته وأنه يعيش على هامش المجتمع، ويتحسس انتهاء صلاحيته والاستغناء عنه.

• وهل تعتقد بأن للتكنولوجيا والتطور المعلوماتي الحاصل في هذا الزمن إضافة إلى الانفتاح على الحضارة الغربية وتسرب الكثير من العادات والثقافات إلينا من الخارج, دور في ازدياد عقوق الأبناء للوالدين؟

- إن الانفتاح الحاصل والذي ضيق سعة العالم ليتحول إلى قرية صغيرة، كل ما فيها يقع تحت متناول اليد، وأصبحت الثقافات شبه متداخلة ببعضها، وذلك لأن جميع ثقافات شعوب العالم، و عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، أصبحت كلها قريبة منا، كل ذلك له أثر في تغيير الثقافة العامة، وانعكاس ذلك على سلوكياتنا. إن الانفتاح على العالم ليس سلبيا، إذا ما استطعنا ممارسة عملية الانتقاء بكل حذر، ففي الغرب والانفتاح عليه أمور إيجابية لا ننكرها، ولكن وللأسف أن الكثير لا يتأثرون إيجابيا بذلك، بل التأثير في الأعم الأغلب في جانبه السلبي. هذا مع أن كل تلك الثقافات موجهة يراد منها تمييع شبابنا واستبدال القيم الإسلامية بأخرى فاسدة.

فالشباب إذا لم يكن محصنا، وإذا أطلق العنان لرغباته وأهواءه، فإنه بطبيعة الحال سوف يأخذ من هذه الثقافات على اختلافها جانبها السلبي، وبالتالي سيؤثر فيه كل ما يشاهده ويقرأه ويتقبله بقبول حسن، مما يزيد كل ذلك في البعد عن كل قيمة حقيقية.

• إذا هل تعتقد أن لتحول المجتمع من النمط البسيط - الذي كان يقتضي بساطة المعيشة ووجود أسرة ممتدة - إلى نمط تركيبي معقد « والذي تحولت فيه الحياة إلى حياة معقدة متطورة وتحول الأسرة إلى أسرة النواة » دور في عقوق الأبناء للوالدين؟

- إن تحول المجتمع من المجتمع البسيط، إلى مجتمع ممتد بتركيبته هذه، أصبح واقعا لا مفر منه، على الأقل في هذه الفترة الزمنية، وهذا ما تفرضه طبيعة الحياة اليوم، واتساع الرقعة الديموغرافية على هذا النحو، له أثر في تقليل وإضعاف الروابط الأسرية، لتباعد أفرادها عن بعضها.

إن الإشكالية تكمن في: أن أفراد الأسرة أنفسهم لديهم الأرضية المهيأة، من عدم تحملهم المسؤولية، واهتمامهم بالآباء والبر والإحسان إليهم ضعيف، يدعم كل ذلك استقلالية الحياة، والبعد عن الآباء. فهذا النمط من الحياة ليس مشكلة بحد ذاته -وإن كان له أثر على البعض دون البعض- وإنما المشكلة هي في نفوس الأبناء، وترهل الإحساس بالمسؤولية تجاه الآباء.

ولا يسعني في نهاية هذا اللقاء إلا تقديم الشكر الجزيل لسماحة الشيخ صادق الرواغه، وإلى القسم الثاني الذي سيكون حول موضوع الطلاق.

 

من نفحات العصمة
لاَ يَعْدَمُ
 الصَّبُورُ الظَّفَرَ وَإِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ.
الإمام علي (ع).
صورة عشوائية
خاص